تشهد دوائر السجل العقاري (الطابو) في تركيا خلال عام 2026 معاملات بيع وشراء للمساكن تُقاس بمئات الآلاف شهريًا على مستوى البلاد، وفي جزء كبير من هذه المعاملات يُقدم المشترون على التوقيع دون فحص كافٍ للتاريخ القانوني للعقار محل البيع. وفي حين جاء القانون رقم 7579 بشأن تعديل قانون الطابو وبعض القوانين الأخرى (الجريدة الرسمية: 22/05/2026، العدد: 33261)، الذي دخل حيز التنفيذ في مايو 2026، بتعديلات واسعة في مجالات السجل العقاري والتخطيط العمراني والمساحة، فإن أساليب الاحتيال مثل التوكيلات المزورة والبيع المتعدد لا تزال من أكثر أسباب النزاعات شيوعًا. وفي هذا السياق، فإن إجراء بضعة فحوصات في السجل العقاري قبل شراء الشقة قد يحول دون نشوء دعوى قضائية قد تستغرق سنوات لاحقًا.
لماذا تُعد علانية السجل العقاري بهذه الأهمية
تقوم أحكام القانون المدني التركي المتعلقة بالسجل العقاري على مبدأ أن تكون القيود المسجلة قابلة للاطلاع من قِبل الجميع، وأن يتمكن الغير حسن النية من التصرف اعتمادًا على هذه القيود. ويمنح مبدأ “العلانية” هذا المشتري حقًا مهمًا، هو حق الاطلاع على قيد السجل العقاري بنفسه والتحقق منه، بدلًا من الاكتفاء بتصريح البائع.
لنفترض أن السيدة “آيشة” ترغب في شراء شقة في إسطنبول، وتعتمد على صورة قديمة من سند الطابو يقدمها صاحب الإعلان، دون أن تتحقق مما إذا كان قد طرأ تعديل على القيد أم لا. غير أن القيد المحدث للسجل العقاري قد يُظهر حجزًا أو رهنًا وُضع خلال الأشهر القليلة الماضية، وهو ما لا تعكسه الصورة القديمة. لذلك، يجب أن تكون نقطة انطلاق أي فحص هي الحصول على قيد محدث بأقرب وقت ممكن من تاريخ إتمام المعاملة.

التحقق من هوية المالك والتوكيل
يعود جزء كبير من نزاعات العقارات في تركيا إلى إتمام البيع عبر توكيل مزور أو مُستغَل بشكل غير مشروع بدلًا من التعامل مع المالك الحقيقي. وتسير الطريقة عادة على النحو التالي: يحصل المحتال على بيانات هوية المالك الحقيقي، ويستخرج توكيلًا لدى كاتب العدل بمستندات مزورة، ثم يبيع العقار لشخص ثالث.
وأهم إجراء وقائي هنا، في حال تمت المعاملة عن طريق وكيل، هو التحقق من قيد التوكيل لدى كاتب العدل، وإن أمكن، التواصل المباشر مع المالك للتأكد. فعلى سبيل المثال، إذا كان الوكيل يبيع عقارًا نيابة عن مستثمر أجنبي مقيم خارج تركيا، فيجب التحقق من تاريخ سريان التوكيل ونطاقه (هل يتضمن صلاحية خاصة بالبيع) والكاتب العدل الذي حرره. كما أن التواصل المباشر أو عبر مكالمة مرئية مع المالك خطوة تحقق فعّالة لا تكلف شيئًا.
ويشكل بيع العقار ذاته لأكثر من شخص نوعًا آخر من المخاطر المماثلة؛ لذا ينبغي أيضًا مراجعة مدى الاتساق بين تاريخ آخر معاملة في القيد العقاري وتاريخ وعد البيع.
كيفية الاستعلام عن الرهون والحجوزات والشروح
يمكن للمالك، من خلال نظام TAKBİS (البنية الإلكترونية للمديرية العامة للسجل العقاري والمساحة)، الاستعلام مجانًا عبر بوابة الحكومة الإلكترونية (e-Devlet) عن قيود الرهن والحجز والشروح المسجلة على عقاره. ولما كان هذا الاستعلام لا يتم إلا من قِبل المالك نفسه، فإن الطريق العملي المتاح للمشتري هو طلب وثيقة WebTapu محدثة من البائع؛ وهي وثيقة يمكن التحقق منها عبر رمز الاستجابة السريعة (QR)، ويُشترط عادة أن تكون صادرة خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة.
ولتوضيح ذلك بمثال عملي: إذا لاحظ مشترٍ يرغب في شراء شقة في منطقة قاضي كوي (كاديكوي) بإسطنبول، من خلال وثيقة WebTapu المقدمة من البائع، وجود شرح رهن لصالح أحد البنوك على العقار، فعليه أن يُدرج في العقد بوضوح تام ما إذا كان هذا الرهن سيُخصم من ثمن البيع، وفي أي مرحلة سيتم شطبه من السجل العقاري. ففي حالات نقل الملكية دون تصفية قيد الرهن، قد يجد المشتري نفسه لاحقًا في مواجهة حق التتبع الذي يملكه البنك.
وينطبق الأمر ذاته على شروح الحجز: فإذا كان هناك حجز على العقار ناشئ عن إجراءات تنفيذ، فإن البيع دون رفع هذا القيد يحمل مخاطر قانونية جسيمة على المشتري.
فحص الوضع العمراني ومستندات البناء
لا يكفي أن يبدو قيد السجل العقاري خاليًا من المشكلات، بل يجب أيضًا فحص الوضع العمراني للعقار، ورخصة استعمال المبنى (إسكان)، وشهادة تسجيل المبنى إن وُجدت. فوثيقة الوضع العمراني التي تُستخرج من البلدية تُبيّن ما إذا كان المبنى قد شُيّد وفقًا للرخصة، وما إذا كان قد تم الانتقال إلى نظام حق الارتفاق الطابقي (كات إرتيفاكي) أو الملكية الطابقية (كات مولكيتي).
فعلى سبيل المثال، قد يكتشف مستثمر يفضل شقة معينة بسبب إطلالتها البحرية، أن الطابق العلوي للمبنى قد أُضيف لاحقًا دون ترخيص، وهو أمر قد يُعرّض المبنى لقرار هدم من البلدية مستقبلًا. كما يجب، بالنسبة للمشترين الأجانب، التأكد من قيام دائرة السجل العقاري بفحص ما إذا كان العقار يقع ضمن منطقة عسكرية محظورة أو منطقة أمنية؛ ويمكن الاطلاع على مزيد من التفاصيل حول هذا الإجراء في مقالنا حول إذن المنطقة العسكرية المحظورة ووجوب تقرير التقييم.

نقاش مطروح في 2026: إلزامية الاستعانة بمحامٍ في معاملات الطابو
في مارس 2026، أثار تصريح صادر عن وزارة العدل التركية فكرة إلزام الأطراف بتمثيل محامٍ في معاملات السجل العقاري التي تتجاوز مبلغًا معينًا. ولم يتحول هذا المقترح بعد إلى نص قانوني نافذ، إلا أن مجرد طرحه للنقاش يعكس أهمية الموضوع.
وبينما ترى بعض الأوساط أن هذا الإلزام سيرفع من تكلفة المعاملة، يرى آخرون أن هذا الإلزام، لا سيما بالنسبة للمستثمرين الأجانب والمعاملات ذات القيمة المرتفعة، من شأنه أن يقلل من حالات الاحتيال، انطلاقًا من أن موظف السجل العقاري يقتصر دوره على الفحص الشكلي للمستندات ولا يقوم بتحليل المخاطر القانونية. ونرى أن الرأي الثاني أكثر إصابة، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار مدى تكرار حالات التوكيلات المزورة والبيع المتعدد: إذ إن فحص موظف السجل العقاري يقتصر على المطابقة الشكلية للقيود، ولا يمتد إلى تقييم مخاطر العلاقة التعاقدية بين الأطراف. وحتى لو لم يتحول هذا الإلزام إلى قانون، فإن طلب فحص أولي طوعي من محامٍ في المعاملات ذات القيمة المرتفعة إجراء ممكن التطبيق بالفعل، وتكلفته منخفضة مقارنة بمخاطر الاحتيال.
إلى جانب هذا النقاش، فإن بعض التعديلات التي جاء بها القانون رقم 7579 في مجالي المساحة والتخطيط العمراني دخلت حيز التنفيذ منذ تاريخ نشره، في حين أن بعضها الآخر سيدخل حيز التنفيذ في 31 ديسمبر 2026؛ لذا يُنصح بالحصول على معلومات محدثة من دائرة السجل العقاري في إطار التشريعات النافذة قبيل تاريخ إتمام المعاملة بوقت قريب.
الخلاصة: الترتيب الواجب اتباعه قبل الشراء
تُعطي الفحوصات التي تُجرى في السجل العقاري أثناء عملية شراء الشقة نتائج أكثر فعالية حين تسير وفق ترتيب محدد وليس بشكل عشوائي. فيجب أولًا التحقق من بيانات المالك واحتمال وجود قيود رهن أو حجز أو شروح من خلال وثيقة WebTapu محدثة، ثم التحقق من قيد التوكيل ونطاقه لدى كاتب العدل في حال تمت المعاملة عبر وكيل.
وبعد هذه الخطوات، يجب طلب وثيقة الوضع العمراني ومستندات البناء من البلدية، والتأكد بالنسبة للمشترين الأجانب من الانتهاء من فحص المنطقة العسكرية المحظورة. ويأتي الإطار العام الذي تناولناه سابقًا في مقالنا بعنوان النقاط الواجب مراعاتها من قِبل الأجانب عند شراء الطابو مكملًا لهذا الترتيب من الفحوصات. وفي المعاملات ذات القيمة المرتفعة أو التي تتم عبر وكيل، يُعد طلب فحص قانوني مسبق من محامٍ قبل إتمام البيع من أكثر الوسائل العملية لتجنب الأخطاء الشائعة في الاستثمار العقاري؛ ويمكن الرجوع في هذا الشأن أيضًا إلى مقالنا السابق حول الأخطاء العشرة الأكثر شيوعًا التي يقع فيها الأجانب في الاستثمار العقاري.
إخلاء مسؤولية قانوني








Comments are closed