في عام 2012، أُلغي بموجب القانون رقم 6302 شرط المعاملة بالمثل الذي كان يحكم تملك الأجانب للعقارات في تركيا، واستُبدل بنظام قائمة دول يحددها قرار رئاسي؛ وحتى اليوم يمكن لمواطني 183 دولة الحصول على سند ملكية (طابو TAPU) في تركيا. ورغم أن هذا التعديل قد سهّل الإجراءات على المشترين الأجانب، إلا أن العملية ما زالت تخضع لعدد من الفحوصات والمستندات الإلزامية. ففي المناطق التي تحظى باهتمام كبير من المستثمرين الأجانب مثل بيوغلو وجيهانغير وكاراكوي، قد يؤدي تجاهل هذه الشروط إلى تأخيرات غير متوقعة في نقل الملكية أو حتى توقف المعاملة بالكامل.
نستعرض في هذا المقال النقاط التي ينبغي أن ينتبه إليها المشتري الأجنبي الراغب في شراء شقة في تركيا في كل مرحلة من مراحل العملية، مع تبسيط المصطلحات الفنية دون الإخلال بمنطق الإجراءات.
من يحق له تملك العقارات في تركيا؟ أين تبدأ الحدود؟
تنظم المادة 35 من قانون السجل العقاري (Tapu Kanunu) تملك الأشخاص الطبيعيين الأجانب للعقارات في تركيا. ووفقاً للقانون، يجوز للشخص الطبيعي الأجنبي تملك عقارات وحقوق عينية محدودة على مستوى الدولة بحد أقصى 30 هكتاراً؛ كما لا يجوز أن تتجاوز المساحة الإجمالية المباعة للأجانب في أي مقاطعة (إلچة) نسبة 10% من إجمالي مساحتها. ويكتسب هذا الحد الثاني أهمية خاصة في المقاطعات الصغيرة أو المناطق الساحلية التي تشهد طلباً مرتفعاً، إذ إنه بمجرد امتلاء حصة المقاطعة المخصصة للأجانب، يصبح من المستحيل البيع لمشترٍ أجنبي جديد في تلك المنطقة.
على سبيل المثال، لنفترض زوجين متقاعدين من بريطانيا يبحثان عن شقة صيفية في تركيا: فإذا كانت حصة المقاطعة المخصصة للأجانب في البلدة الساحلية التي اختاراها قد امتلأت بالفعل، فقد يحول ذلك دون شرائهما للشقة التي أعجبتهما. لذلك يُنصح بالتحقق من مدى توفر حصة البيع للأجانب في المنطقة المعنية قبل الشروع في إجراءات السجل العقاري.

تقرير التقييم العقاري ووثيقة شراء القطع الأجنبي: التزامان لا يمكن تجاوزهما
من بين المستندات الإلزامية في عمليات البيع للأجانب، تقرير تقييم عقاري صادر عن جهة تقييم مرخصة من هيئة أسواق المال التركية (SPK)، ويكون سارياً لمدة ثلاثة أشهر من تاريخ إصداره. ويهدف هذا التقرير إلى ضمان تطابق ثمن البيع المصرح به في السجل العقاري مع القيمة السوقية الفعلية؛ وفي حال ظهور أن الثمن المصرح به أقل بكثير من القيمة الحقيقية، يجوز لمديرية السجل العقاري إيقاف المعاملة.
إضافة إلى ذلك، إذا كان ثمن البيع يُسدد بعملة أجنبية، فيجب إرفاق وثيقة شراء القطع الأجنبي الصادرة عن البنك بالملف. ففي حالة مستثمر مقيم في ألمانيا يرغب في شراء شقة في كاراكوي، إذا تم تحويل جزء من الثمن من الخارج عبر حوالة مصرفية، فإن توثيق هذا التحويل بالسجلات المصرفية يكتسب أهمية أيضاً في إثبات اتساق الثمن المصرح به لاحقاً، سواء عند التقدم بطلب الجنسية أو عند إعادة بيع العقار. ويُستحسن الاطلاع مسبقاً على نقاط التحقق الأساسية الأخرى في عملية تملك العقار لضمان إعداد هذه المستندات على نحو كامل.
لماذا لا ينبغي إغفال التحقق من المناطق العسكرية المحظورة والمناطق الأمنية الخاصة؟
تُصنَّف بعض المناطق في تركيا لأسباب أمنية على أنها مناطق يُحظر فيها تملك الأجانب للعقارات كلياً أو تستلزم إذناً إضافياً. فالتملك في المناطق العسكرية المحظورة يخضع لموافقة رئاسة الأركان العامة أو القيادات المخولة من قبلها، بينما يخضع التملك في المناطق الأمنية الخاصة لموافقة محافظة الموقع الذي يقع فيه العقار. وعلى الرغم من أن مديرية السجل العقاري تجري هذا التحقق تلقائياً من تلقاء نفسها، فإن معرفة المشتري المسبقة بوضعية المنطقة تُعد مهمة لتقدير المدة التي قد تستغرقها المعاملة.
ومن الحالات الشائعة أن يكتشف مشترٍ أجنبي راغب في شراء شقة قريبة من الشريط الساحلي، بعد أسابيع من تقديم طلب السجل العقاري، أن الملف متوقف بانتظار موافقة المحافظة. ولتفادي مثل هذه التأخيرات، يُنصح بالاستفسار عما إذا كان العقار المعني يقع ضمن منطقة من هذا النوع قبل توقيع عقد الوعد بالبيع. وقد تناولنا هذا الموضوع بتفصيل أوسع في مقالنا حول إذن المنطقة العسكرية المحظورة وإلزامية تقرير التقييم.

عند الشراء بالوكالة: احتياطات إضافية واجبة
ليس قليلاً عدد المشترين الأجانب الذين يرغبون في إتمام المعاملات دون الحضور إلى تركيا، عبر وكالة (توكيل) يصدرونها من كاتب عدل في بلدهم. غير أنه لكي يُعتد بتوكيل صادر من خارج تركيا في معاملات السجل العقاري، يجب أن يحمل ختم التصديق (أبوستيل Apostille)، وأن تتم ترجمته ترجمة محلفة من قبل مترجم مخول. وكبديل عن ذلك، يمكن للمشترين الأجانب استصدار التوكيل من بعض القنصليات التركية في بلد إقامتهم؛ وبما أن التوكيل الصادر بالتركية عن القنصلية يُعد صادراً عن جهة تركية رسمية، فلا حاجة عندئذ إلى مرحلتي التصديق والترجمة. وإذا لم يُحدَّد في التوكيل بوضوح العقار المراد شراؤه والصلاحيات الممنوحة للوكيل (كسداد الثمن أو التوقيع في السجل العقاري)، فقد يترتب على ذلك رفض مديرية السجل العقاري للمعاملة.
وقد يحدث، مثلاً، أن يمنح مشترٍ مقيم في كندا توكيلاً عاماً لمحاميه في تركيا، فيتأجل نقل الملكية بسبب عدم النص صراحة في التوكيل على صلاحية شراء العقار. لذا فإن مراجعة التوكيل من قبل مختص قانوني قبل بدء المعاملة، من حيث نطاق الصلاحيات ومتطلبات الترجمة والتصديق، هي الوسيلة العملية الأنسب لتفادي تأخير قد يتعذر تداركه.
الأخطاء الشائعة في مرحلة العقد ونقل الملكية
من أكثر الأخطاء شيوعاً بين المشترين الأجانب عدم التحقق من سجل الملكية للتأكد من خلو العقار من أي رهن أو حجز أو تسجيل تحفظي (شرح) قبل توقيع عقد الوعد بالبيع. كما يحمل توقيع مشترٍ لا يجيد التركية على العقد بالاعتماد فقط على شرح شفهي من البائع أو الوسيط العقاري مخاطر مماثلة؛ ومراجعة العقد بترجمة مستقلة تحول دون نشوء نزاعات مستقبلية.
ومن الحالات الشائعة الأخرى إغفال الفرق بين حق الارتفاق على البناء (كات ارتفاقي) وحق الملكية الطابقية (كات ملكيتي) في المشاريع قيد الإنشاء. فينبغي أن يُحدد العقد بوضوح ما إذا كانت الشقة المشتراة في مرحلة حق الارتفاق ستُسلَّم فعلياً، ومتى يتحول سند الملكية إلى ملكية طابقية كاملة؛ وإلا فقد لا يبقى للمشتري في حال تأخر المشروع سوى حق تعاقدي بحت.
- التحقق من السجل العقاري للتأكد من خلوه من أي قيود حالية (رهن، حجز، شرح)
- مراجعة عقد الوعد بالبيع عبر ترجمة مستقلة
- النص صراحة في العقد على الفرق بين حق الارتفاق والملكية الطابقية وتاريخ التسليم
- تجهيز تقرير التقييم ووثيقة شراء القطع الأجنبي قبل موعد السجل العقاري
بعد الشراء: شرط إضافي في حال التفكير بالحصول على الجنسية
يخطط بعض المشترين الأجانب لشراء الشقة ليس كاستثمار فحسب، بل أيضاً كخطوة ضمن التقدم بطلب الحصول على الجنسية التركية بالطريق الاستثنائي. وفي هذه الحالة، يُشترط إضافياً أن تبلغ قيمة العقار 400,000 دولار أمريكي على الأقل، وعدم بيعه لمدة ثلاث سنوات؛ وقد تناولنا بالتفصيل كيفية توثيق هذا الحد الأدنى والأخطاء التي قد تؤخر الطلب في مقالنا حول شرط العقار بقيمة 400,000 دولار للحصول على الجنسية التركية. وحتى لو لم يكن هذا الهدف حاضراً عند شراء الشقة، يُنصح بالاحتفاظ بسجلات منظمة لثمن البيع وعمليات السداد تحسباً لاحتمال التفكير مستقبلاً في التقدم بطلب الجنسية.
الخلاصة: الترتيب الواجب اتباعه لتأمين المعاملة
بالنسبة للمشتري الأجنبي الراغب في شراء شقة في تركيا، لا تقوم العملية على مستند واحد، بل على مجموعة من الفحوصات المتكاملة. فيجب أولاً التأكد من توفر حصة البيع للأجانب في المقاطعة التي يقع فيها العقار، ومن أن وضعية المنطقة من الناحية العسكرية أو الأمنية الخاصة لا تحول دون التملك. بعد ذلك، ينبغي التحقق من القيود المسجلة على العقار، وإعداد تقرير التقييم ووثيقة شراء القطع الأجنبي عند الحاجة، والتأكد في حال استخدام توكيل من استيفائه لشرطي التصديق والترجمة بشكل كامل. وعند اتباع هذا الترتيب، تصبح عملية نقل الملكية إجراءً يمكن التنبؤ به إلى حد كبير؛ في حين أن إغفال أي خطوة قد يؤدي إلى إطالة أمد العملية لأسابيع.
وبما أن موقع كل عقار، والوضع القانوني لكل مشروع، وهدف المشتري (سواء كان استثماراً أو حصولاً على الجنسية) تختلف من حالة إلى أخرى، فإن تقييم كل حالة بحسب ظروفها الخاصة قبل البدء بالمعاملة يكتسب أهمية بالغة.
إخلاء مسؤولية قانوني








Comments are closed