يواجه معظم المستثمرين الأجانب الذين يؤسسون شركات في تركيا خلال عام 2026 تساؤلاً بعد استكمال إجراءات التأسيس: ما الذي يستطيع المدير المعيّن على رأس الشركة القيام به فعلاً، وما الذي لا يستطيعه؟ فالأحكام ذات الصلة في قانون التجارة التركي (TTK) تمنح منصب المدير صلاحيات واسعة وفي الوقت ذاته تفرض عليه مسؤوليات شخصية جسيمة، وهذا التوازن لا يبدو واضحاً للكثير من الشركاء الأجانب للوهلة الأولى.
من هو “المدير” في قانون الشركات التركي؟
في الشركات ذات المسؤولية المحدودة، يُعد المدير الجهاز المخوّل بإدارة الشركة وتمثيلها، بينما يتولى هذه المهمة في الشركات المساهمة مجلس الإدارة. وينص قانون التجارة التركي على تطبيق أحكام المسؤولية الخاصة بأعضاء مجلس إدارة الشركات المساهمة على مديري الشركات المحدودة بالقياس (المادة 644 بالإحالة إلى المادة 553 وما يليها). أي أن المدير ليس مجرد موظف يدير الأعمال اليومية، بل هو جهاز مخوّل يُلزم الشركة قانوناً.
لنأخذ مثالاً واقعياً: قام مستثمر ألماني أسّس شركة محدودة في أنطاليا للعمل في مجال الاستشارات العقارية، ولأنه لا يستطيع التواجد في تركيا بشكل دائم، عيّن شريكاً تركياً يثق به مديراً منفرداً للشركة. وبعد مرور ستة أشهر، اكتشف أن عقد إيجار قد وُقّع باسم الشركة دون علمه، ذلك لأن صلاحية المدير تحمل في طياتها سلطة تمثيل واسعة ما لم يتم تقييدها صراحة.

ما هي الصلاحيات القانونية للمدير؟
ما لم يُنص على خلاف ذلك في عقد التأسيس أو في قرار الجمعية العامة، يملك المدير صلاحية تمثيل الشركة أمام الغير، وإدارة الحسابات المصرفية، وتوقيع العقود، واتخاذ القرارات التجارية اليومية. وتكتسب هذه الصلاحية طابعها الرسمي من خلال قيدها في السجل التجاري وإصدار حجة التوقيع (إمضاء سيركوسو).
معلومة ينبغي معرفتها
كثيراً ما يُطرح السؤال التالي: “هل يمكنني تعيين مدير محترف من خارج الشركاء بدلاً من أحد شركائي؟” والجواب نعم، فالقانون التركي لا يشترط أن يكون المدير بالضرورة أحد الشركاء؛ إذ يجوز تعيين مدير من الغير (مدير غير شريك)، ويتطلب ذلك قراراً من الجمعية العامة وقيداً في السجل التجاري. وفي الشركات التي يتعدد فيها المديرون، يجب أن يُحدَّد بوضوح في عقد التأسيس ما إذا كانت صلاحية التوقيع ستُمارَس بشكل منفرد أم مشترك؛ وإلا فسيُعتمد التفسير السائد المسجل لدى السجل التجاري، الأمر الذي قد يفضي إلى بعض الغموض في التطبيق العملي.
مسؤوليات المدير والمخاطر الشخصية
كلما اتسعت الصلاحية، ازدادت المسؤولية معها. فالمديرون ملزمون تجاه الشركة بموجب المادة 626 من قانون التجارة التركي بـ واجب العناية والولاء، وأي إخلال بهذا الواجب قد يُرتب مسؤولية مالية شخصية تجاه الشركة والشركاء، بل وتجاه الدائنين في بعض الحالات.
هل تعلم؟
لنستعرض سيناريو واقعياً: عُيّن شريك أجنبي مديراً لشركة برمجيات في إزمير، واكتشف عند مغادرته منصبه أن اشتراكات الضمان الاجتماعي الخاصة بالشركة لم تُسدَّد لعدة أشهر. وواجه خطر التعرض لملاحقة شخصية بسبب المدفوعات التي لم تُسدَّد أثناء توليه المنصب، إذ يمكن أن يُدَّعى بأنه لم يبذل العناية اللازمة خلال فترة إدارته. ولا تقتصر هذه المخاطر على المجال الضريبي واشتراكات الضمان الاجتماعي فحسب؛ فقد تنشأ مسؤولية شخصية أيضاً عند إثبات تصرف خاطئ صادر عن المدير تسبب في أضرار لحقت بالغير، ولذلك فإن معرفة نطاق هذه المسؤولية مسبقاً أمر بالغ الأهمية قبل قبول منصب الإدارة.
المسؤولية الشخصية للمدير عن ديون اشتراكات الضمان الاجتماعي (SGK)
تتجسد المخاطر العامة المشار إليها أعلاه بشكل خاص في ديون اشتراكات الضمان الاجتماعي. إذ يكون مدير الشركة مسؤولاً بالتضامن بذمته المالية الشخصية عن ديون اشتراكات مؤسسة الضمان الاجتماعي (SGK) المتعلقة بفترة توليه المنصب والتي يتعذر تحصيلها من الشركة. وتستند هذه المسؤولية إلى المادة 88 من القانون رقم 5510 وأحكام القانون رقم 6183 الخاص بإجراءات تحصيل المستحقات العامة.
- فترة توليه المنصب فقط: لا يكون المدير مسؤولاً إلا عن ديون اشتراكات الضمان الاجتماعي المستحقة وغير المسددة خلال فترة توليه المنصب. ولا تُلقى عليه، كقاعدة عامة، مسؤولية الديون المتعلقة بفترة ما قبل توليه المهام أو ما بعد تركه إياها.
- الرجوع إلى الذمة المالية الشخصية: تُعد مستحقات مؤسسة الضمان الاجتماعي من قبيل الديون العامة. وعند تعذر تحصيل الدين من الشركة، يمكن اللجوء إلى الحجز على الذمة المالية الشخصية للمدير، بما في ذلك منزله وسيارته وحساباته المصرفية.
- النطاق: يشمل نطاق هذه المسؤولية جميع المبالغ المستحقة لمؤسسة الضمان الاجتماعي، بما فيها أصل الاشتراكات والغرامات الإدارية وفوائد التأخير.
المسؤولية عن الديون تجاه الغير
يكمن الفارق الأساسي في مسؤولية المدير تجاه الغير في مصدر الدين ومدى وجود خطأ منسوب إلى المدير من عدمه.
- القاعدة (مبدأ الشخصية الاعتبارية): تعود ديون الشركة إلى شخصيتها الاعتبارية المستقلة. ففي الشركات المحدودة والمساهمة، لا يكون المدير مسؤولاً شخصياً عن الديون التجارية الاعتيادية تجاه السوق أو الموردين أو البنوك؛ ويرجع الدائنون في هذه الحالة إلى الشركة مباشرة.
- الاستثناء (الخطأ والإخلال): وفقاً للمادة 553 من قانون التجارة التركي، إذا أخلّ المدير بخطأ منسوب إليه بالتزامات ناشئة عن القانون أو عن عقد تأسيس الشركة، وترتب على ذلك ضرر لحق بالغير أو بالشركة، جاز مساءلته شخصياً عن هذا الضرر. ومن أمثلة ذلك إجراء معاملات غير مسجلة، أو مسك الدفاتر بشكل مخالف للأصول، أو تهريب أموال الشركة عمداً.
الأسس القانونية للمسؤولية وحدودها
لا تُفرض المسؤولية الشخصية للمدير بشكل تعسفي، بل ترتبط بأحكام قانونية محددة وبوجود خطأ منسوب إليه. ومعرفة الشريك الأجنبي بهذا الإطار تُمكّنه من تقييم المخاطر وحدود المسؤولية بشكل صحيح.
- مسؤولية موازية في المستحقات العامة: يُطبَّق المبدأ ذاته المعتمد في اشتراكات الضمان الاجتماعي على الديون الضريبية أيضاً. فوفقاً للمادة 10 من قانون الإجراءات الضريبية والمادة المكررة 35 من القانون رقم 6183، يجوز مساءلة الممثل القانوني بذمته المالية الشخصية عن الضرائب وغيرها من المستحقات العامة التي يتعذر تحصيلها من الشركة.
- التضامن والتضامن المتفاوت: بينما تنظم المادة 553 من قانون التجارة التركي المسؤولية التضامنية للمديرين، تُقرر المادة 557 مبدأ “التضامن المتفاوت”، أي أن كل مدير يكون مسؤولاً بمقدار ما يخصه من خطأ في إحداث الضرر. وتعدد المديرين لا يعني أن الجميع مسؤولون بالقدر نفسه.
- مبدأ الخطأ وإمكانية الإعفاء: تقوم المسؤولية بموجب قانون التجارة التركي على أساس الخطأ. ويمكن للمدير أن يتخلص من المسؤولية إذا أثبت عدم وجود خطأ يُنسب إليه في وقوع الضرر وأنه بذل العناية اللازمة في أداء مهامه. أما المسؤولية المتعلقة بالمستحقات العامة فهي أشد صرامة، إذ يكتسب إثبات الممثل لأدائه واجباته على الوجه الصحيح أهمية بالغة.
- الإبراء والتقادم: يحد قرار إبراء الجمعية العامة من حق الشركة والمساهمين الذين صوّتوا بالموافقة في إقامة الدعوى (المادة 558 من قانون التجارة التركي)؛ غير أن حقوق دائني الشركة لا تتأثر بهذا الإبراء. ويجب إقامة دعوى المسؤولية خلال سنتين من تاريخ العلم بالضرر وبالشخص المسؤول، وفي جميع الأحوال خلال خمس سنوات من تاريخ وقوع الفعل المُحدث للضرر (المادة 560 من قانون التجارة التركي).
تخضع مسؤولية مديري الشركات المحدودة للأحكام الخاصة بأعضاء مجلس إدارة الشركات المساهمة بموجب الإحالة الواردة في المادة 644 من قانون التجارة التركي، ومن ثم تنطبق المبادئ المذكورة أعلاه إلى حد كبير على كلا نوعي الشركات. ولذلك فإن فحص الوضع المالي للشركة وديونها العامة السابقة وحدود الصلاحيات المنصوص عليها في عقد التأسيس، قبل قبول منصب الإدارة، يقلل بشكل كبير من المخاطر الشخصية المحتملة.
ما الذي ينبغي على الشريك الأجنبي الانتباه إليه؟
بالنسبة للشركاء الأجانب غير المقيمين في تركيا بشكل دائم، تكمن المسألة الأكثر أهمية في التحديد الواضح لـمن ستمنحه صلاحية الإدارة ومدى اتساع هذه الصلاحية. فإذا لم تُحدَّد حدود الصلاحيات في عقد التأسيس، يمكن للمدير الذي عيّنته أن يُبرم تصرفات تُلزم الشركة دون علمك.
على سبيل المثال، قام مواطن بريطاني أسّس شركة في مجال التجارة الإلكترونية في إسطنبول، ولأنه لم يرغب في اتخاذ قرارات مهمة باسم الشركة أثناء وجوده خارج البلاد، بإدراج شرط اشتراط موافقة الشركاء على النفقات التي تتجاوز مبلغاً معيناً في عقد التأسيس. وتساهم مثل هذه الترتيبات الخاصة إلى حد كبير في تفادي النزاعات التي قد تنشأ لاحقاً.
هل تعلم؟

كيف يتم تغيير المدير أو تقييد صلاحياته؟
يكتسب تغيير المدير أو تقييد صلاحياته الصفة الرسمية من خلال قرار الجمعية العامة يليه القيد في السجل التجاري؛ ولا يمكن الاحتجاج بالتغييرات التي تتم قبل التسجيل تجاه الغير. لذلك فإن الاكتفاء بقرار داخلي في الشركة لا يكفي.
| الخطوة | الشرح |
|---|---|
| 1. قرار الجمعية العامة | يُتخذ القرار بتعيين مدير جديد أو تقييد الصلاحيات |
| 2. التصديق لدى كاتب العدل | يتم تنظيم المستندات اللازمة وحجة التوقيع لدى كاتب العدل |
| 3. القيد في السجل التجاري | يُقيَّد التغيير ويُعلَن عنه لدى مديرية السجل التجاري المختصة |
حين نشب خلاف بين الشركاء في شركة تصنيع بمدينة مرسين، أراد الشريك الأجنبي إلغاء صلاحية المدير السابق، غير أنه لم يتمكن من الطعن في صحة بعض المعاملات المبرمة مع الغير قبل إتمام إجراءات التسجيل. إذ تظل صلاحية المدير السابق قائمة قانوناً إلى حين إتمام القيد، وهذا تفصيل كثيراً ما يُغفَل عنه رغم أهميته البالغة في الممارسة العملية.
راجعوا هيكل الإدارة في شركتكم
يُوجّه معظم المستثمرين الأجانب الذين أنهوا إجراءات تأسيس شركاتهم في تركيا أكثر أسئلتهم بعد التأسيس حول هيكل الإدارة. وصياغة عقد التأسيس بشكل واضح ومتوافق مع احتياجاتكم في هذا الشأن تُعد خطوة حاسمة لضمان الأمان طويل الأمد لشركتكم.
وخلاصة القول: تعني الإدارة صلاحية تمثيل واسعة ومسؤولية شخصية جسيمة في آنٍ معاً. وبصفتكم شريكاً أجنبياً، فإن التحديد الواضح في عقد التأسيس لـمن تمنحونه الصلاحية وإلى أي مدى يحمي شركتكم وأنفسكم من المخاطر المحتملة.
تنويه قانوني








Comments are closed