في عام 2026، بينما يستمر ازدياد عدد المستثمرين الأجانب الذين يؤسسون شركات في تركيا، تبقى إحدى أكثر النقاط حساسية في عملية الشراكة التجارية على حالها: النزاعات بين الشركاء. فبينما يتفق جميع الشركاء في مرحلة التأسيس، قد تظهر بعد بضع سنوات خلافات جوهرية حول توزيع الأرباح أو صلاحيات الإدارة أو الخروج من الشركة. في هذا المقال، نستعرض التدابير القانونية الملموسة التي يمكن اتخاذها قبل نشوء النزاع، وما الذي يضيفه نهج القانون الوقائي لشركاء الشركات.
لماذا يُعد النزاع بين الشركاء أمرًا شائعًا إلى هذا الحد؟
عادةً ما يركز الشركاء عند تأسيس الشركة على فكرة العمل وحماس النمو، بينما لا تُطرح على الطاولة بوضوح كافٍ أسئلة من قبيل من سيملك أي قدر من الصلاحيات، وكيف ستُوزَّع الأرباح، وماذا يحدث إذا رغب أحدهم في الانسحاب. لنفترض أن شريكين أسسا شركة بنسبة 50%-50%، أحدهما قدّم رأس المال والآخر قدّم الجهد التشغيلي. تسير الأمور على ما يرام في السنة الأولى، لكن في السنة الثانية يبدأ أحدهما بتخصيص وقت أكبر للشركة ويقول “لم تعد المناصفة في الأرباح عادلة”. هنا بالتحديد، وفي غياب إطار مكتوب منذ التأسيس، يتفاقم النزاع.
ينظم قانون التجارة التركي الحقوق والالتزامات الأساسية بين الشركاء في الشركات ذات المسؤولية المحدودة والشركات المساهمة، غير أن الأحكام العامة للقانون لا تكفي لتغطية الديناميكيات الخاصة بكل شركة. لذلك فإن إعداد عقد الشراكة (عقد التأسيس في الشركة ذات المسؤولية المحدودة، أو اتفاقية الشركاء الموقعة إلى جانب النظام الأساسي في الشركة المساهمة) بشكل مفصّل واستباقي يكتسب أهمية بالغة.
هل تعلم؟
أساس القانون الوقائي: عقد الشراكة واتفاقية الإدارة
يعني القانون الوقائي استشراف نقاط الخلاف المحتملة عند تأسيس الشراكة وصياغتها كقواعد واضحة في العقد، بدلًا من البحث عن حلول بعد نشوء النزاع. تخيل مثلًا ثلاثة شركاء يؤسسون شركة جديدة في إسطنبول: أحدهم يوفر التمويل، والآخران يديران العمليات. فإذا لم يُحدد العقد بوضوح “أي القرارات تتطلب إجماعًا وأيها يكفي فيها أغلبية الأصوات”، فقد يؤدي حتى قرار استثماري بسيط في المستقبل إلى تعطيل الشركة بالكامل.
يتضمن عقد الشراكة المُعد بعناية عادةً البنود التالية: توزيع صلاحيات الإدارة، أسس توزيع الأرباح والخسائر، شروط الخروج من الشراكة ونقل الحصص، حظر المنافسة، وآلية تسوية النزاعات. وكلما كانت هذه البنود أكثر تحديدًا ووضوحًا، قلّ احتمال نشوء نزاع مستقبلي ناتج عن اختلاف في التفسير.
لماذا يُعد هذا مهمًا؟

أنواع النزاعات الشائعة
تتمحور النزاعات بين الشركاء عادةً حول عدد قليل من المواضيع المتكررة. ومعرفة هذه المواضيع مسبقًا توضح البنود التي ينبغي التركيز عليها عند إعداد العقد.
- نزاعات توزيع الأرباح: قد يتغير مع الوقت تصور العدالة بين الشريك الذي يقدم الجهد والشريك الذي يقدم رأس المال فقط.
- تضارب صلاحيات الإدارة: إذا لم يكن واضحًا من له الكلمة الفصل في القرارات التشغيلية اليومية، فقد تتعطل الشركة.
- مشكلات الخروج ونقل الحصص: عند رغبة أحد الشركاء في الانسحاب، إذا لم تكن آلية تقييم حصته والجهة التي يمكن نقلها إليها واضحة، تطول العملية.
- انتهاكات التزام عدم المنافسة والولاء: قد يؤدي دخول أحد الشركاء في نشاط آخر ضمن القطاع نفسه إلى أزمة ثقة.
اطرح على نفسك هذا السؤال: “إذا رغب شريكي غدًا في الانسحاب من الشركة، فلمن يمكنه نقل حصته وبأي مقابل؟” فإن لم تكن الإجابة واضحة، فهذا يعني أن هناك ثغرة مهمة في عقدك.
تدابير ملموسة يمكن اتخاذها قبل نشوء النزاع
فما هي البنود التي تقلل هذا الخطر عمليًا؟ بحسب خبرتنا، ونظرًا لأن خطر التعطل يكون أعلى بشكل خاص في هياكل الشراكة بنسبة 50%-50%، ينبغي النظر أولًا في الآليات التالية.
البنود التعاقدية ذات الأولوية
2. حق الأولوية وتقييد نقل الحصص: منح الشركاء الآخرين أولوية الشراء قبل بيع الحصة لطرف ثالث.
3. خياري البيع والشراء (Put/Call): إمكانية شراء الحصة وفق آلية محددة مسبقًا عند تحقق شروط معينة.
4. آلية تقييم مستقلة: تحديد كيفية احتساب قيمة الحصة عند الخروج بشكل مسبق وواضح.
5. شرط تسوية النزاعات: الاتفاق مسبقًا في العقد على اللجوء إلى الوساطة، وعند الاقتضاء إلى التحكيم.
على سبيل المثال، أضاف شريكان مؤسسان لشركة برمجيات عند التأسيس بندًا في العقد ينص على “اللجوء إلى وسيط مستقل في حال عدم حل النزاعات الإدارية خلال ثلاثة أشهر”. وعندما نشأ نزاع فعلي بعد سنتين، تمكنا من التوصل إلى حل خلال أسابيع قليلة دون الدخول في أي إجراءات قضائية، لأن خارطة الطريق كانت مكتوبة في العقد أصلًا.
السبل القانونية المتبعة عند نشوء النزاع
رغم كل التدابير، قد يكون النزاع أحيانًا أمرًا لا مفر منه. وفي هذه الحالة، تختلف السبل الممكنة باختلاف الآلية المنصوص عليها في العقد.
- الوساطة: في النزاعات التجارية، يُعد اللجوء إلى الوساطة قبل رفع الدعوى شرطًا إجرائيًا للعديد من المطالبات المالية بموجب القانون التركي؛ حيث يسعى الطرفان إلى إيجاد حل بمساعدة وسيط مستقل.
- التحكيم: إذا تضمن العقد شرط تحكيم، يُحسم النزاع أمام هيئة تحكيم بدلًا من المحكمة، وعادة بشكل أسرع وبسرية أكبر.
- الدعوى القضائية: إذا لم تُفضِ السبل السابقة إلى نتيجة، يمكن رفع دعوى أمام المحاكم العامة في إطار قانون الشركات، ومن ذلك دعاوى الفسخ لسبب مشروع أو إخراج الشريك من الشركة.
في إحدى الحالات المتعلقة بشركة عائلية تعمل في أنقرة، اضطر الشركاء للدخول مباشرة في إجراءات التقاضي لأن العقد لم ينص على أي آلية لتسوية النزاعات، فامتدت العملية لسنوات. ويوضح هذا المثال حجم التكاليف الباهظة التي قد ينتج عنها إغفال بند واحد فقط أثناء مرحلة صياغة العقد.

نقاط خاصة بالشركاء الأجانب
في الشركات التي يؤسسها مستثمرون أجانب مع شركاء أتراك في إسطنبول، قد تظهر الفجوات في التوقعات في وقت أبكر بسبب الاختلافات الثقافية واللغوية. لنفترض أن مستثمرًا يتحدث الإنجليزية أصبح شريكًا لرائد أعمال تركي؛ فإعداد العقد باللغة التركية فقط قد يؤدي إلى توقيع الشريك الأجنبي على بعض البنود دون فهمها فهمًا كاملًا.
فيما يلي نقاط إضافية يجب الانتباه إليها في مثل هذه الشراكات:
- إعداد العقد بلغتين (التركية والإنجليزية) مع تحديد اللغة المعتمدة عند الاختلاف في التفسير.
- النص صراحةً على القانون الواجب التطبيق والمحكمة أو مركز التحكيم المختص.
- في حال إقامة الشريك الأجنبي خارج تركيا، توضيح عنوان التبليغ وترتيبات التوكيل.
وقد تبدو هذه التفاصيل صغيرة، إلا أنها قد تتحول عند نشوء نزاع إلى خلاف قائم بذاته حول القانون الواجب التطبيق والمحكمة المختصة.
هل يمكن تعديل عقد الشراكة بعد التأسيس؟
نعم، يمكن تحديث العقد لاحقًا بموافقة جميع الشركاء. غير أن هذا التحديث يصبح أصعب بكثير في التفاوض إذا كانت علاقة الثقة بين الأطراف قد توترت بالفعل؛ لذا يُنصح قدر الإمكان بإعداد العقد بشكل شامل منذ مرحلة التأسيس.
ماذا يمكن فعله في شركة لا يوجد فيها بند لحالة التعطل (Deadlock)؟
في حال عدم وجود مثل هذا البند في العقد، يمكن للأطراف السعي إلى حل عبر الوساطة، أو الاتفاق فيما بينهم على إضافة بند من هذا النوع لاحقًا. وفي بعض الحالات، يكون اللجوء إلى القضاء في إطار الأحكام العامة لقانون التجارة التركي خيارًا متاحًا أيضًا.
راجع عقد شراكتك
وخلاصة القول: يمكن منع الجزء الأكبر من النزاعات بين الشركاء من خلال عقد مفصل بما فيه الكفاية منذ مرحلة التأسيس. ويُعد توضيح بنود مثل صلاحيات الإدارة، وتوزيع الأرباح، وشروط الخروج، وآلية تسوية النزاعات منذ البداية أكثر الاستثمارات قيمة من حيث الوقت وجودة العلاقة بين الشركاء.
تنويه قانوني








Comments are closed